أحمد بن علي الرفاعي الكبير
104
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
والأمر كما قال ، فيا ربّ مستدرج بالإحسان إليه ، ويا ربّ مغتر بالثناء عليه ، ويا ربّ مفتون بالنعم عليه ، ويا ربّ مستهلك بالستر عليه ! . فمن لم يكن باطنه في ملازمة الحق تعالى عين ظاهره ، كان شكه أغلب من يقينه ، وإن كان ظاهره يدل على أوصاف الموقنين ، وفقدان أنوار الباطن من رؤية حركات الظاهر ، والغفلة عن غوامض آفات الاستدراج من رؤية صفاء العبودية . فليس للموفق أن يعتمد ، ولا للمخذول أن ييئس . واستدراج أهل الذنوب الركون إليها ، والإصرار على الإعراض عن اللّه سبحانه . واستدراج أهل العلم : طلب الجاه والمنزلة عند الخلق . واستدراج أهل الاجتهاد : الاستكثار والإعجاب . واستدراج المريدين تطلعهم إلى العطايا والكرامات ، وسكونهم إليها . واستدراج العارفين : استغناؤهم بالمعرفة دون المعروف ، حتى جعلوا لها حدا وغاية ونهاية ، وظنوا أنهم قد أحاطوا بها ! فكل من كان منزلته أرفع ، كان استدراجه أعظم وأدق . كم من مذكّر للّه ، ناسي اللّه ! . وكم من مخوف باللّه ، جريء على اللّه ! . وكم من داع إلى اللّه ، بعيد من اللّه ! . وكم من تال كتاب اللّه ، منسلخ من آيات اللّه ؟ . وقال أبو سعيد الخراز رحمه اللّه تعالى : لو كنت تركت الدنيا وافتخرت بتركها ، فالفخر أعظم من إمساكها . ولو تركت عيوب النفس وأعجبت بتركها ، فالعجب عيبه أكبر . ولو جهدت وتعلقت بجهدك ، فتعلقك أعظم الاستراحة . ولو خفت وأمنت على أنك خفت ، فالأمن من الخوف أكبر . ثم قال : رؤية القرب في القرب ، أقرب البعد . ورؤية الأنس في الأنس أعظم الوحشة . ورؤية الذكر في الذكر أشد النسيان . ورؤية المعرفة في المعرفة أكبر النكرة .